تساؤلات طبية

ما بعد المضادات الحيوية .. هل نحن حقًا بصدد عصر مخيف مثل هذا ؟!

ما بعد المضادات الحيوية عالم آخر ينتظرنا، مختلف تماما عن عالمنا، عالم مهدد بالموت من كل اتجاه، في هذا المقال نفصِّل لكم عن الأسباب، وما يمكن أن يكون عليه الحال؟

ما بعد المضادات الحيوية

مستقبل بلا مضادات حيوية ، جملة مخيفة تبدو منتمية إلى عالم الخيال العلمي عنها إلى عالم الواقع، لكن في الحقيقة هو خطر واقعي يقترب منا يوما بعد يوم، حيث فعليا حذرت منظمة الصحة العالمية من أن “العديد من حالات العدوى الشائعة لن يكون لها علاج بعد الآن ” بما معناه موت حتمي لها في الانتظار.

يعود ذلك التحذير إلى تأكيدات بحثية طبية حديثة تشير إلى ظهور ما يعرف ببكتريا الكابوس، وهي ذات صلة حتما بـ عصر ما بعد المضادات الحيوية ، فمن المعروف أن المضاد الحيوي يقوم بقتل البكتريا وتعطيل مداه المميت، لكن البكتريا ليست بالعدو السهل اليسير أبدا، إذ أنها في حالة تغير وتبدل جيني دائم، تبدل وتغير يسمح لها دائما بالتكيف مع العلاجات المميتة لها ودفعها باتجاه التعطل وزوال التأثير.

فبمجرد أن تبدأ في علاج البكتيريا المسببة لمرض ما لديك بمضاد حيوي معين؛ سرعان ما تحور البكتريا ذاتها بحثا عن طريقة تنقذها من أثره وتبقيها على قيد الحياة، إن لم يكن في هذه المرة ففي مرات اخرى مقبلة، لذلك فإن الحاجة متجددة على الدوام إلى عقارات جديد ومطورة من المضادات الحيوية.

وطالما استمرت العقاقير الجديدة في الظهور، فإن المقاومة التي تُبديها البكتريا ليست ذات أهمية ولا تمثل فرقا. لكن مشكلتنا كبشر الأن تكمن في أننا لم نستطع اكتشاف أو تطوير أي فئة جديدة من المضادات الحيوية منذ الثمانينات، مما يعني أن عصر ما بعد المضادات الحيوية يقترب، أي أننا أمام واقع صادم ومستقبل محاط بتهديدات جمة.

أهمية المضادات الحيوية

من منا لم يستخدم المضاد الحيوي يوما؟! جميعنا -حتما- فعل ذلك، المضاد الحيوي يستخدم على نطاق واسع جدا أكثر مما نعتقد، خصوصا فيما يتعلق بالعمليات الجراحية، والتي تنطوي في الغالب على مخاطر شديدة فيما يتعلق بالعدوى وانتقال الأمراض خصوصا في ظل وجود جروح وفتحات في الجسم.

لذلك فهي ضرورية جدا قبل وبعد الجراحة نتيجة لضعف الجهاز المناعي في تلك الأثناء وعدم قدرته على القيام بدوره كما يجب، حيث تعوض هذه المضادات بفعاليتها هذا الدور.

كذلك تبرز أهمية المضاد الحيوي في علاجات نوعية إشعاعية أو كيماوية لأمراض مثل السرطان، حيث تؤثر هذه العلاجات  بشكل كبير على الجهاز المناعي لدى الإنسان، وبالتالي يأتي دور المضادات الحيوية لتتدخل مُعدلة الوضع ودافعةً باتجاه سلامة الإنسان ونجاته.

كما تبرز أهمية المضاد الحيوي كذلك في عمليات زرع عضو جديد داخل الجسم؛ حيث تقوم بقمع الجهاز المناعي ومنعه من الوصول إلى العضو الجديد ورفضه أو التأثير في عمله. وفي هذا الصدد يقول البروفيسور ريتشارد جيمس من جامعة نوتنغهام “إنه مستقبل قاتم للغاية ، وأعتقد أن الكثير من العمليات الجراحية الكبرى ستكون مهددة بشكل خطير”.

أمام هذا الكم من الاستخدامات وغيرها الكثير يصعب علينا تخيل عصر يسمى ما بعد المضادات الحيوية ، إننا لا نسير إلى الخلف بل نسير إلى الأمام وهو ما يجب الحفاظ عليه.

أسباب ذهاب فعالية المضادات الحيوية

بجانب جهود البكتريا في مقاومة المضادات الحيوية وإيجاد سبيل للنجاة منها وتعطيلها، يبرز فرط استخدام الإنسان لها  كأحد أهم الأسباب التي أدت إلى ذهاب أثرها بالنسبة لعدد من الأمراض، أخطرها على الإطلاق مرض السل، حيث يعمد كثير من الصيادلة والأطباء إلى التوصية بها دون حسبان، الأمر الذي ينشأ معه تخلي كثير من المرضى عن إكمال الجرعة كاملة فور شعورهم بتحسن ما، وبالتالي لا يتم القضاء على البكتيريا بشكل تام داخل جسم المريض، ما يؤهلها لاحقا من التفاعل مع العقار ونسخ عمله وتكوين مناعة ذاتية نحوه وبالتالي يبطل عمله، وبالتالي نخطو باتجاه ما بعد المضادات الحيوية .

ليس فرط الاستخدام بالنسبة للإنسان فقط هو السبب، بل فرط استخدام المضادات الحيوية كذلك مع الحيوانات، حيث تسبب الاستخدام المفرط لمضاد حيوي يسمى “كوليستين” من إبطال مفعوله، وذلك نتيجة لتطور جينات البكتيريا الحيوانية بشكل أدى إلى هذه النتيجة، وقد التفت عديد من دول العالم إلى ذلك الخطر، فحظرت معظم البلدان الأوربية –مثلًا- استخدام المضاد الحيوي ضمن الأعلاف الحيوانيةـ وذلك أملًا في تجنب عصر ما بعد المضادات الحيوية.

مقارنة بين الاستخدام الآدمي والحيواني للمضادات الحيوية في بريطانيا. المصدر: farmantibiotics.org
مقارنة بين الاستخدام الآدمي والحيواني للمضادات الحيوية في بريطانيا. المصدر: farmantibiotics.org

كل هذا وللأسف لا يزال كثير منا يتناولون مضادات حيوية مباشرة دون وصفة طبيب، وذلك من أجل التعافي من أمراض شائعة ليس لها علاج سوى مقاومة الجسم، وذلك من مثل نزلات البرد الفيروسية وغيرها، الأمر الذي يثير الحفيظة ويحملنا كأفراد دورا مهما يتعلق بضرورة الوعي الصحي واكتساب معرفة طبية ولو بسيطة تجنبنا المشاركة في استنزاف هذا العقار المهم وحمايته وحماية أنفسنا من مستقبل مظلم بدونه.

ما بعد المضادات الحيوية .. هل نحن حقًا بصدد عصر مخيف مثل هذا ؟!
5 (100%) 6 أصوات
المصدر
بي بي سي
الوسوم

ياسر معدان

واحد من الناس. رائد في مجال المواقع الإلكترونية والتدوين، محاسب ومؤلف كتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق